سيرة سيد المرسلين> حوادث السنة السادسة للهجرة

رحلةُ سياسيّةُ دينيّةُ

رسول اللّه يبعث مندوباً الى قريش مندوبُو قريش عند النبي صلّى اللّه عليه وآله
سهيلُ بن عمرو يفاوضُ رسولُ اللّه بيعةُ الرضوان
نشيد الحرية نَصُّ صُلح الحديبية


كانت السنة الهجرية السادسة بكل حوادثها المرة والحلوة تقترب من نهايتها عندما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في المنام أنه دخل البيت (الكعبة) وحلق رأسه، وأخذ مفتاح البيت، وعرّف مع المعرفين، فقصّ صلّى اللّه عليه و آله هذه الرؤيا على أصحابه وتفاءل به خيراً1.

ولم يلبث أن أمر أصحابه بالتهيّؤ للعمرة، ودعا القبائل المجاورة التي كانت لا تزال على شركها وكفرها الى مرافقة المسلمين في هذه السفرة، ولهذا شاع في جميع أنحاء الجزيرة العربية أن المسلمين سيتجهون في شهر ذي القعدة صوب مكة يريدون العمرة.

ولقد كانت هذه السفرة الروحانية تنطوي- مضافاً إلى العطاء الروحاني والمعنوي- على مصالح إجتماعية وأهداف سياسية، فقد عززت مكانة المسلمين في شبه الجزيرة العربية، وتسببت في انتشار دين التوحيد في أوساط المجتمع العربي آنذاك، وذلك:

أولاً:
لأن القبائل العربية المشركة كانت تتصوّر أن النبي الاكرم صلّى اللّه عليه وآله يخالف كل عقائد العرب، وتقاليدهم الشعبية، والدينية حتى فريضة الحج، والعمرة التي كانت تعد من ذكريات الاسلاف ومواريثهم.

من هنا كانوا يخافون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ويتوجسون خيفة من دينه، وعقيدته، ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله استطاع في هذه المناسبة- باشتراكه، واشتراك أصحابه في مراسيم العمرة أن يخفف هذا الخوف لدى القبائل المشركة إلى حدٍّ كبير، وأن يوضح بعَمله أنَّ رسولَ الاسلام لا يعارضُ زيارة بيت اللّه الحرام، والفريضة المذكورة التي تعد من قطوسهم الدينية، وتقاليدهم المذهبية، بل يعتبرها فريضة مقدسة، فهو مثل والد العرب الاكبر "اسماعيل بن إبراهيم الخليل" عليهما السَّلام يعمل على المحافظة على هذه التقاليد الدينية، وبهذا استطاع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يستقطب قلوب من كان يتوهم أن رسالة "محمَّد" ودعوته، ودينه يعارض جميع شؤونهم وتقاليدهم وأعرافهم الدينية، والشعبية، ويخالفها مخالفة مطلقة، ويقلّل من خوفهم، واستيحاشهم.

ثانياً:
إذا استطاع المسلمون أن يحرزوا في هذا السبيل نجاحاً، ويؤدوا مناسك العمرة في المسجد الحرام بحرية، أمام أعين الآلاف من المشركين، فان عملهم هذا بنفسه سيكون تبليغاً ناجحاً للإسلام، لأن أخبار المسلمين ستنتشر بواسطة المشركين الذين قدموا مكة من جميع المناطق لاداء مناسك العمرة، فسيحملون أنباء ما رأوه وشاهدوه من أفعال المسلمين الرشيدة، وأخلاقهم الفاضلة، إلى أوطانهم لدى عودتهم من مكة إلى بلادهم، وبهذا ينتشر نداء الإسلام في تلكم المناطق التي لم يستطع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ان يبعث إليها الدعاة والمبلغين حتى ذلك الحين، ويترك هذا الأمر أثره المطلوب.

ثالثاً:
إن رسولَ اللّه صلّى اللّه عليه وآله ذكّر الناس في المدينة بحرمة الأشهر الحرم وقال صلّى اللّه عليه وآله: وأمر المسلمين بأن لا يحملوا معهم من الاسلحة شيئاً إلا السيف الذي يحمله كل مسافر معه.

ولقد جلب هذا الامر عواطف كثير من الغرباء عن الإسلام نحو هذا الدين، وغيّر من نظرتهم السلبية تجاه دعوة الإسلام، لأنهم شاهدوا باُم أعينهم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يحرّم القتال في هذه الاشهر، ويدافع بنفسه عن هذه السنة القديمة ويدعو إلى رعايتها خلافاً لكل الدعايات التي كانت تبثها قريش عن أن الاسلام لا يحترم هذه الأشهر، ويجيز الاقتتال وسفك الدماء فيها.

لقد فكر القائد الاسلاميُّ مع نفسه بأنه لو أصاب المسلمون في هذا السبيل أيّ نجاح، فانهم يكونون قد حققوا أملاً قديماً من آمالهم التي طالما تشوقوا إلى تحقيقها.

كما أنه سوف يستطيع المهاجرون الذي طال بعدهم عن وطنهم، وأهليهم، أن يزوروا ذويهم وأقربائهم. هذا إذا سمحت قريش لهم بدخول مكة.

وأمّا إذا منعتهم قريش عن الدُّخول في الحرم فان مكانة قريش ستتعرض- حينئذ- لخطر السقوط في العالم العربي، وسيلومهم العرب على ذلك، لأن جميع ممثلي القبائل العربية المحايدة سترى كيف عاملت قريشُ جماعة مسالمة أرادت دخول مكة لأداء مراسيم العمرة، وزيارة الكعبة المعظمة، ولا تحمل معها أيَّ سلاح إلا ما يحمله المسافر في سفره عادة، في حين يرتبط المسجد الحرام بالعرب كافة، وانما تقوم قريش بمجرَّد سدانته، وادارة شؤونه.

وهنا تتجلى حقانية المسلمين بشكل واضح، ويتضح عدوان قريش وينكشف للجميع بطلان مواقفها، فلا تستطيع قريش بعد ذلك أن تواصل تأليبها للقبائل العربية ضدّ الإسلام، وعقد تحالفات عسكرية واتحاد نظاميّ مع قواها لمحاربة المسلمين لانها قد منعت الزوّار المسلمين أمام أعين الآلاف من الحجيج والزائرين من حقهم المشروع.

لقد لاحظ رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله كل هذه الجوانب وغيرها فامر المسلمين بالتوجّه نحو مكة، وأحرم الف واربعمائة2 أو الف وستمائة3 أو الف وثمانمائة4 في "ذي الحليفة" وقلّد سبعين بدنة (بعيراً) وبهذا أعلن عن هدفه من تلك الرحلة.

ولقد أرسل رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله عيناً له ليخبره عن قريش إذا وجدهم في أثناء الطريق.

ولما كان رسول اللّه بعُسفان (وهي منطقة بين الجحفة ومكة) أتاه رجلُ خزاعي كان يتقصى الاخبار لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقال: يا رسول اللّه هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فعاهدوا اللّه أن لا تدخلها أبداً وهذا "خالد بن الوليد" في خيلهم (وكانوا مائتين) قد قدّموها الى كراع الغميم. (وهي موضع بين مكة والمدينة أمام عُسفان بثمانية أميال).

فلما سمع رسولُ اللّه صلّى عليه وآله بعزم قريش على منعه ومنع اصحابه من العمرة قال:

"يا ويحَ قريش، لقد أكلتُهم الحربُ ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فان هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني اللّه عليهم دخلوا في الإِسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظُنُّ قريش، فواللّه لا أزال اجاهد على الذي بعثني اللّه به حتى يظهره اللّه به، أو تنفرد هذه السالفة5 (أي اُقتل أو أموت).

ثم طلب رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله من يَدُلّهُ على طريق آخر غير الطريق الذي هم بها لكي يتجنب مواجهة طليعة قريش بقيادة "خالد بن الوليد".

فتعهُّد رجل من بني أسلم بذلك فسلك برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه طريقاً وعراً كثيرة الحجارة بين شعاب حتى انتهوا إلى منطقة سهلة تدعى بالحديبية، فبركت هناك ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال صلّى اللّه عليه وآله: "ما هذا لها عادة، ولكن حبسها حابسُ الفيل بمكة"6.

ثم أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الناس أن ينزلوا في ذلك المكان فنزلوا.

ولما علمت طليعة قريش بمسير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، لحقت به، حتى اقتربت منه وحاصرت موكبه ورجاله فكان على النبي صلّى اللّه عليه وآله اذا أراد أن يواصل سيره باتجاه مكة ان يخترق صفوف رجال قريش، فيسفك دماءهم، ويعبر على أجسادهم، وحينئذ كان الجميع يرى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله لا يهدف العمرة والزيارة بل يريد الحرب والقتال، فكان مثل هذا العمل يسيء إلى سمعة النبي صلّى اللّه عليه وآله ويضر بهدفه السلميّ.

ثم إن قتل هؤلاء النفر من طليعة قريش لا يزيل جميع الموانع من طريقه، لأن قريشاً كانت تبعث بإمدادات مستمرة، ولم يكن لينتهي إلى هذا الحد.

هذا مضافاً إلى أن المسلمين ما كانوا يحملون معهم حينذاك- إلاّ ما يحمله المسافر العاديّ من السلاح، ومع هذه الحال لم يكن القتال أمراً صحيحاً وحكيماً، بل كان يجب ان تحلُّ المشكلة عن طريق التفاوض.

ولهذا عندما نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في تلك المنطقة قال:"لا تَدعُوني قريشُ اليوم إلى خُطّة يَسألونَني فيها صلةُ الرحم إلاّ أعطيتُهُم إياه"7.

ولقد بلغ كلامُ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله هذا مسامع الناس، وكان من الطبيعي أن يسمَعَ به العدوُ أيضاً، ولهذا بعثوا برجال من شخصيّاتهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ليتعرفوا على هدفه الاصلي من هذا السفر.

مندوبُو قريش عند النبي صلّى اللّه عليه وآله
بعثت قريش بعدة مندوبين إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ليتعرفوا على مقصده وهدفه في هذا السفر.

وكان أول اُولئك المبعوثين هو: "بديل بن ورقاء الخزاعي" الذي أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في رجال من خزاعة فكلّموه نيابة عن قريش وسألوه: ما الذي جاء به؟ فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله:"إنّا لم نجئ لِقتال أحدٍ، ولكنّا جئنا معتمرين".

فرجعوا إلى قريش وأخبروهم بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لم يأت لِقتال وإنما جاء معتمراً زائراً لبيت اللّه، ولكن قريشاً لم يصدقوهم وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالاً فواللّه لا يدخلّها علينا عنوة أبداً، ولا تحدّثُ بذلك عنّا العربُ.

ثم بعثوا "مكرز بن حفص" فسمع من النبي صلّى اللّه عليه وآله ما سمعه سابقه، فعاد وصدّق ما أخبر بديل قريشاً به، ولكن قريشاً لم تصدق مكرزاً أيضاً كما لم تصدّق سابقه.

فبعثت في المرة الثالثة الحليس بن علقمة8 وكبير رماة العرب، لحسم الموقف، فلما رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مقبلاً قال:"إنَ هذا من قوم يتألهُون (أي يعظمون أمر اللّه) فابعثوا الهديَ في وجهه حتى يراهُ".

فلما رأى الحليس، الهديَ يسيل عليه من عُرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محلّه، رجعَ إلى قريش، ولم يصل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إعظاماً لما رأى، فقال لهم: يا معشر قريش واللّه ما على هذا حالفناكُم، ولا على هذا الَّذي عاقَدناكم، أيُصدّ عن بيت اللّه من جاء معظما له وقد ساق الهدي معكوفاً إلى محلِّه؟! والذي نفسُ الحليس بيده لتُخلّنِّ بين محمَّد وما جاء له، أو لأنفِّرنَّ بالأحابيش نفرة رجل واحد، وهكذا امتنع الحليس من مواجهة رسول اللّه بالقوة واستخدام العنف معه لصده، وقد لاحظ بأم عينيه ان النبي صلّى اللّه عليه وآله والمسلمين لا يريدون إلا العمرة والزيارة لا القتال والحرب، بل عاد يهدد قريشاً اذا هي أرادت صدّه عن ذلك.

فشق هذا الكلام وهذا التهديد على قريش وخافوا من مخالفته، فقالوا: مَه، كفَّ عنا يا حُلُيس حتّى نأخذ لأنفسَنا ما نرضى به.

ثمّ بعثوا أخيراً "عروة بن مسعود الثقفي" وكان رجلاً لبيباً تطمئن قريش إلى درايته وحكمته وخيره وكان لا يحبُّ أن يمثّل قريشاً في هذه المفاوضات لما رآه مِن معاملتهم مع الممثلين السابقين، ولكن قريشاً تعهدت له بان تقبل بما يقول، وأعلنت له عن ثقتها الكاملة به، وبما سيخبر به، وبأنه غير متّهم عندهم.

فخرج من عندهم حتى أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فجلس بين يديه ثم قال: يا محمَّد جمعتَ أوشابَ الناس (أي أخلاطهم) ثم جئتَ بهم إلى أهلك وقبيلتك، إنها قريشُ قد خرجت معها العُوذُ المطافيلُ، قد لبسوا جلود النمُور، يعاهدون اللّه لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وأيمُ اللّه لَكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً، (أو قال: أن يَفرُّوا عنك ويدعوك).

وعندما بلغ ابن مسعود في كلامه إلى هذا قال له أبو بكر وكان جالساً خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: أنحنُ ننكشفُ عنه، وندعه؟

لقد كان "عروة" كأيّ دبلوماسيّ ماكر، يحاول إضعاف معنويات أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بكلامه، وروغانه.

وأخيراً انتهت المباحثات دون جدوى. وهنا جعل "عروة" يتناول لحية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ازدراء به صلّى اللّه عليه وآله، والمغيرة بن شعبة- وكان واقفاً على رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله- يقرعُ يَدَه إذا تناول لحية النبي صلّى اللّه عليه وآله ويقول اكفُف يَدكَ عن وَجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قبل أن لا تِصلَ إليك.

فسأل عروة: يا محمَّد من هذا؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة (ويبدو أن جميع من كان حول النبي آنذاك أو بعضهم كانوا مقنعين رعاية للظروف الأمنية).
فغضب عروة وقال: "أي غُدَر، وهل غَسلتُ سوءتك إلا بالأمس" وكان المغيرة قد قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلاً من بني مالك من ثقيف فودى عروة المقتولين وأصلح الأمر.

فقطع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الكلام على عروة وقال له مثل ما قال لبُديل ورفيقيه، وأنه لم يأتِ يريدُ حرباً، بل جاء يريد العمرة، ولأجل أن يرى عروة مكانته بين أصحابه وأتباعه، قام صلّى اللّه عليه وآله وتوضأ أمامه، فرأى عروة باُم عينيه كيف أنه لا يتوضّأ إلا وتسابق أصحابهُ على التقاط القطرات المتناثرة من وَضوئه، فرجع إلى قريش وقال لهم: يا معشر قريش إنّي قد جئت كسرى في مُلكه، وقيصر في ملكه، والنجاشيَّ في ملكه، وإنّي واللّه مَا رأيتُ مَلِكاً في قوم قطّ مَثلَ محمَّد في أصحابه، ولقد رأيتُ قوماً لا يُسلِمونَهُ لشيء قط فروا رأيَكُم9.

رسول اللّه يبعث مندوباً الى قريش
لم تثمر الاتصالات التي جرت بين مَبعوثي قريش، وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، فكان من الطبيعي أن يتصور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنَّ مبعوثي قريش لم يستطيعوا نقل هدفه إلى قريش، وإسماعهم الحقيقة، وأن اتهامهم لهم بالجبن والكذب منعهم من قبول ما قد أخبروا به، ولهذا قرّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يبعث هو مندوباً عنه إلى رؤوس الشرك ليوضحّ لهم هدف رسول الاسلام من هذا السفر، وأنه ليس إلا زيارة بيت اللّه وأداء مناسك العمرة لا غير.

فاختار رجلاً لبيباً حازماً من بني خزاعة يدعى "خراش بن اُميّة" فبعثه إلى قريش بمكّة وحمله على بعير يقال له "الثعلب". ليبلّغ أشرافهم عنه ما جاء له من الزيارة والعمرة، فدخل مكة، وبلّغ سادة قريش رسالة النبي صلّى اللّه عليه وآله ولكن قريشاً- خلافاً لكل الأعراف الدولية والاجتماعية قديماً وحديثاً، والقاضية بحصانة السفراء وضرورة احترام كل ما يمت إليهم بصلة من ممتلكاتهم عمدت الى جمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الذي امتطاه سفير النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى مكة فعقروه عدواناً، وكادوا أن يقتلوا سفير النبي صلّى اللّه عليه وآله نفسه، ولكن وساطة جماعة من قادة العرب ادت إلى أن تخلّي قريش سبيله حتى أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.

إن هذا العمل الدنيء أثبت- بوضوح- أن قريشاً لم تكن تريد السلام بل كانت دائماً في صدد اشعال فتيل الحرب.

ولم تلبث قريش أن كلِّفت خمسين رجلاً من فتيانها بالطواف بعسكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بُغية أخذ شيء من أمواله، أو أسر بعض أصحابه لو اتيح لهم ذلك، ارعاباً للمسلمين وتخويفاً لهم. ولكن هذه الخطة فشلت فشلاً ذريعاً، فان هؤلاء لم يصيبوا شيئاً بل أسرهم المسلمون جميعاً واتي بهم رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم مع أنهم كانوا قد رَموا في عسكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالحجارة والنبل.

وبهذا ثبت رسول الاسلام صلّى اللّه عليه وآله مرة اخرى أنه يحب السلام ويسعى اليه، وانه جاء معتمراً لا معتدياً ولا محارباً10.

النبيُ يبعث سفيراً آخر الى قريش
رغم كل هذه الاُمور رغم كلّ التصلّب الذي أبدته القيادةُ القرشيةُ المشركةُ ضدّ الاسلام والمسلمين وضد محاولات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله السلميّة لم ييأس رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله من تحقيق السلام فقد كان يريد- واقعاً- أن يعالج المشكلة من طريق المفاوضات، ومن طريق تغيير التصورات التي كان يحملها اشراف قريش وسادتها المتعنتون المتصلبون عن رسول اللّه ودعوته.

ومن هنا كان يجب هذه المرّة أن يختار صلّى اللّه عليه وآله رجلاً لم تخض يده في دماء قريش، ولهذا لم يصلح "علي بن أبي طالب" ولا "الزبير" ولا غيرهم من فرسان الاسلام وشجعانه الذين جالدوا صناديد قريش في ميادين القتال وأردوا فريقاً منهم صرعى، لمثل هذه السفارة، وهذه المهمة.

ولهذا تقرر- بعد التأمل- انتداب "عمر بن الخطاب" لهذه المهمة، أي الذهاب الى مكة، والتحدث الى سادة قريش، ورؤسائها، لأنه لم يكن قد أراق من المشركين حتى ذلك اليوم ولا قطرة دم، ولكن "عمر" اعتذر عن تحمل هذه المسؤولية، والقيام بهذه المهمة المحفوفة بالمخاطر قائلاً: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عديّ (وهم عشيرته) من يمنعني، ولكني ادُلّك على رجل أعزّ بها مني، "عثمان بن عفان". (لكونه أمويا بينه وبين أبي سفيان زعيم قريش قرابة)11.

فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله "عثمان بن عفان" فبعثه إلى "أبي سفيان" وأشراف قريش، ليخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه انما جاء زائراً لهذا البيت ومعظِماً لحرمته.

فخرج عثمان الى مكة، فلقيه "أبان بن سعيد بن العاص" حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلّغ رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، فانطلق "عثمان" حتى أتى أبا سفيان وأشراف قريش فبلغهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُف، فامتنع عثمان عن الطواف إحتراماً لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.

ثم إن قريشاً احتَبست عثمان عندها، ولعلّهم فعلوا ذلك ريثما يتوصلون إلى حلّ ثم يطلقونه ليبلّغ الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله رأيهم.

بيعةُ الرضوان

إلا أن إبطاء مبعوث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عن العودة من مكة أوجد قلقاً شديداً في نفوس المسلمين، خاصّة وأنه شاع أن عثمان قد قتل، فثارت ثائرة المسلمين، واستعدّوا للانتقام من قريش وعمد النبي صلّي اللّه عليه وآله أيضاً إلى مخاطبتهم قائلاً:"لا نبرح حتى نناجِزَ القوم".

وذلك تقوية لارادة المسلمين، وتحريكاً لمشاعرهم الطاهرة.

وفي هذه اللحظات الخطيرة، وفي ما كان الخطر على الابواب، وبينما لم يكن المسلمون متهيئين للقتال قرر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يجدّد بيعته مع المسلمين.

فجلس رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله تحت شجرة، وأخذ أصحابُه يبايعونه على الاستقامة والثبات والوفاء واحداً واحداً، ويحلفون له أن لا يتخلوا عنه أبداً، وأن يدافعُوا عن حياض الإسلام حتى النفس الأخير، وقد سمّيت هذه البيعة ببيعة "الرضوان" التي جاء ذكرها في قوله تعالى:"لَقد رَضيَ اللّه عنَ المؤمنينَ إذ يُبايعُونَكَ تَحتَ الشجرَة، فعلِمَ ما في قُلُوبهم فأَنزلَ السكينة عَليهِم وأَثابهم فتحاً قريب"12.

فَاتضحَ موقفُ المسلمين بعد هذه البيعة، فإمّا أن تسمح لهم قريش بدخول مكة لزيارة بيت اللّه المعظمّ، وإمّا أن تتصلّب في موقفها الرافض فيكون بينهم القتال والحرب13.

وبينما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في هذه الحال اذ طلع عليهم "عثمان بن عفان"، وكان ذلك بنفسه طليعة سلام كان يريده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.

فأخبر عثمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن الذي يمنع قريشاً من السماح لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بدخول مكة هو اليمين التي الزموا بها انفسهم أن لا يدعوه يدخل مكة هذا العام وانهم سيبعثون اليه من يتفاوض معه بهذا الشأن.

سهيلُ بن عمرو يفاوضُ رسولُ اللّه
بعثت قريش- في المرة الخامسة- "سهيلَ بن عمرو" الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقد كلّفته بانهاء المشكلة ضمنَ شروط خاصّة سنقرؤها في ما يأتي.

فأقبل "سهيل بن عمرو" على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولما رآه النبي صلّى اللّه عليه وآله قال: قد أراد القومُ الصلح حين بعثوا هذا الرجل.

فلما انتهى "سهيل " إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تكلّم في المسألة كما يتكلّم أي دبلوماسيّ بارع، فقال وهو يحاول إثارة عواطف النبي صلّى اللّه عليه وآله وأحاسيسه:

يا أبا القاسم إن مكة حرمُنا وعِزُّنا، وقد تسامعت العربُ بك إنك قد غزوتنا ومتى ما تدخلُ علينا مكة عنوة تطمعُ فينا فنُتخَطّف، وإنا لنذكّرك الحرم، فان مكة بيضتك التي تفلَّقت عَن رأسك.

فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: "فَما تريد"؟
قال: اُريد أن أكتب بيني وبينك هُدنة على أن اخلّيها لك في قابل14 فتدخلها، ولا تدخلها بخوف ولا فزع، ولا سلاح إلا سلاح الراكب، السيف في القراب.
فقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بعقد مثل هذا الصلح.
وهكذا أدّت مفاوضات "سهيل" مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى عقد صلح شامل وواسع بين قريش وبين المسلمين.

ولقد تشدد "سهيل" في شروط هذا الصلح كثيراً، حتى كاد أن ينتهي هذا التشدُّد إلى قطع المفاوضات أحياناً، ولكن حيث أن الطرفين كانا يرغبان في الصلح والموادعة، لهذا كانا يستأنفان التحاور والتفاوض مرة اُخرى، بعد كلّ أزمة تطرأ على المباحثات.

وأخيراً انتهت مفاوضات الجانبين- رغم كل ما أبداه مندوب قريش من التصلّب- الى عقد وثيقة موادعة وهدنة نُظمت في نسختين ووقع عليها الجانبان.
ويروي كافّة المؤرخين وأرباب السيَر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله استدعى عليّاً (عليه السِّلام)، وامره أن يكتب تلك الوثيقة قائلاً له: اكتب "بسم اللّه الرحمن الرحيم" فكتب "عليّ" ذلك فقال سهيل: لا أعرفُ هذا، ولكن أكتب: باسمك اللّهم!!

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: اُكتب: باسمك اللَّهم وامحُ ما كتبتَ. ففعل "عليّ" ذلك.
ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: أكتب "هذا ما صالح عليه رسول اللّه سهيل بن عمرو".
فقال سهيل، لو أجبتكُ في الكتاب إلى هذا لأقررتُ لك بالنبوّة فامحُ هذا الاسمَ واكتب: محمَّد بن عبد اللّه أو قال: لو شهدتُ انك رسولُ اللّه لم اقاتلك. ولكن أكتب اسمَك واسم ابيك).

ولم يرض بعض من حضر من المسلمين في هذه النقطة بأن يرضح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لمطالب "سهيل" الى هذه الدرجة، ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الذي كان يلاحظ مصالح عليا غفل عنها ذلك البعض كما سنذكرها فيما بعد رضي بمطلب "سهيل"، وقال لعلي عليه السَّلام: اُمحها يا عليّ.

فقال عليّ عليه السَّلام بأدب بالغ: يا رسول اللّه إن يَديَّ لا تنطلِقُ لمحو إسمك من النبوة.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: فضع يدي عليها، فمحى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بيده كلمة: رسول اللّه نزولاً عند رغبة "سهيل"مفاوض قريش15.

ان التسامح الذي أبداه رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله في تنظيم وثيقة الصلح هذه لا يعرف له نظير في تاريخ العالم كله، لأنه اظهر بجلاء أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لم يقع فريسة بيد الاهواء والاغراض الشخصية والعواطف والاحاسيس العابرة، وكان يعلم أن الحقائق لا تتبدَّل ولا تتغيّر بالكتابة والمحو، من هنا تسامحَ مع مفاوض قريش "سهيل" الذي تصلَّب في مطاليبه غير المشروعة كثيراً، حفاظاً على أصل الصلح. وحرصاً على السلام.

التاريخ يعيد نفسه

ولقد ابتليَ علي عليه السَّلام تلميذ النبي الأول بمثل هذه التجربة المرّة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.

فيومَ امتنع علي عليه السَّلام عن محو كلمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن اسم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال له النبي صلّى اللّه عليه وآله:يا عَليّ إنَّك أبيتَ أن تمحوَ اسمِي من النبوّة فوَالَّذي بعثني بالحق نبيّاً لتجيبنَّ أبناءهم إلى مِثِلها وأنتَ مَضيض مضطهَد"16.

ولقد بقيت هذه القضية في ذاكرة عليّ عليه السَّلام، حتى إذا كان يوم "صفين" وخدع أصحاب الامام عليّ عليه السَّلام بالاُسلوب الماكر الذي اتبعه جيش الشّام الذي قاتل عليّاً عليه السَّلام بقيادة معاوية بن أبي سفيان ومساعدة عمرو بن العاص، وأجبروا الامام عليه السَّلام على عقد الصلح مع معاوية فشكّل الجانبان لجنة لتنظيم وثيقة ذلك الصلح، كلِّفَ "عبيد اللّه بن رافع" كاتب الامام من جانب الامام عليّ عليه السَّلام بأن يكتب وثيقة الصلح، فكتب:"هذا ما تقاضى عليه أميرُ المؤمنين عليّ" قال عمرو بن العاص ممثل معاوية في تلك المفاوضات: لو علمنا أنك أميرُ المؤمنين لم ننازعك!!

وهكذا طالب عمرو بن العاص بحذف عبارة أمير المؤمنين.

وطال الكلام والتشاجر في هذا الموضوع، ولم يكن الامام عليّ يريد ان يعطي حجة للبسطاء من أصحابه، ولهذا لم يرضخ لهذا المطلب، ولكنه بعد إلحاح من أحد قادة جيشه سمح بأن يمحي لقب "أمير المؤمنين" من اسمه ثم قال:"اللّه اكبر سنَّة بسنة".

وهو بذلك يشير إلى حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله له يوم الحديبية17.

نَصُّ صُلح الحديبية
وأخيراً عُقِدَت إتفاقية صُلح وهُدنة بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقريش تضمنت المواد والشروط التالية:

1- تعهّد المسلمون، وقريش بترك الحرب عشر سنين يأمنُ فيهن الناسُ، ويكف بعضهم عن بعض.

2- من أتى محمَّداً من قريش بغير إذن وليّه رَدّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن مع محمَّد لم يردّوه عليه.

3- من أحَبّ أن يدخل في عقد محمَّد وعهده (أي يتحالف معه) دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

4- انّ محمَّداً يرجع بأصحابه إلى المدينة عامَهُ هذا ولا يدخل مكة، وانما يدخل مكة في العام القابل في أصحابه فيقيم فيها ثلاثة أيام، لا يدخل فيها بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في القُرب18.

5- أن لا يستكرَه أحدُ على ترك دينه ويعبُد المسلمون اللّه بمكة علانية وبحرية، وان يكون الاسلام ظاهراً بمكة وان لا يؤذى أحد ولا يعيِّر19.

6- لا إسلال (سِرقَة) ولا إغلال (خيانة) بل يحترم الطرفان أموالَ الطرف الآخر، فلا يخونه ولا يسرق منه20.

7- أن لا تعين قريش على محمَّد وأصحابه أحداً بنفس ولا سلاح21.

هذا هو نصُ وثيقة "صلح الحديبية"، وقد جمعنا بنوده من المصادر المتنوعة التي أشرنا الى بعضها في الهامش، وقد كتبت هذه الوثيقة في نسختين، ثم وقع عليها جماعة من شخصيات قريش، والمسلمين وشهدوا عليها واُعطيت نسخة الى "سهيل بن عمرو"ممثل قريش، وتُركَت نسخة عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.

نشيد الحرية
لقد كان كل عاقل لبيب يحسن تقدير الامور يسمع نشيد الحريّة من ثنايا هذا الصلح التاريخيّ، ومع أن كل بنود هذه المعاهدة جديرة بالاهتمام والاكبار، إلا أن النقطة التي تستحق الاهتمام والتقدير أكثر من سواها هي المادّة الثانية في هذا الصلح، وهي المادّة التي أزعجت بعض الصحابة يوم انعقاد تلك المعاهدة.

فقد انزَعج صحابة النبي صلّى اللّه عليه وآله من هذا التمييز الصارخ، وقالوا حول قرار القيادة الحكيمة المتمثلة في قائد محنّك كرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما كان ينبغي أن لا يقولوه، في حين تعتبر هذه المادة من أعظم بنود الوثيقة إذ تعكس نظرة رسول الاسلام، وتفكيره حول كيفيّة تبليغ الاسلام، وإشاعته ونشره، فانه يظهر منها- وبجلاء- مدى إحترام رسول الاسلام لمبدأ الحرية.

ولقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في معرض الاجابة على من اعترض من صحابته على البند القاضي بتسليم كل مسلم فرّ من قريش إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله والمسلمين إلى قريش، دون العكس قائلاً:"مَن جاءهُم مِنّا فأبعَدَهُ اللّه وَمَن جاءنا مِنُهم رَددناه إليهم فلو علمَ اللّه الاسلامَ مِن قَلبه جَعلَ له مخرج".

وأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن الذي يهرب من جماعة المسلمين ويلجأ إلى المشركين فلا قيمة لإيمانه وإسلامه، إذ أن ذلك يدلّ على أنه لم يؤمن بهذا الدين حق الإيمان فلا داعي لأن يعاد اإلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذ لا اكراه في الدين وأما من هرب من المشركين الى المسلمين فلو علمَ اللّه منه الصدق لنجاه حتماً.

ولقد كانت نظرية النبي صلّى اللّه عليه وآله ورأيه متطابقاً كل التطابق مع موازين العقل والمنطق السليم، وقد تجلت صوابيته وحقانيته مع مضيّ الزمن في ما بعد، لانه لم يمض زمن طويل إلا وقريش- وبعد سلسلة من الحوادث المؤسفة- طلبت بنفسها إلغاء هذه المادّة كما سيأتي بيانه في ما بعد.

إن هذه المادة تعد رداً قاطعاً على تقوّلات وتخرّصات المستشرقين المغرضين الذين يصرّون على القول بانّ الاسلام انتشر بالسيف.

إنهم حيث لا يتحملون رؤية هذا الامتياز العظيم الذي كسبه الاسلام الحنيف، حيث انتشر في مدة قصيرة جداً في شتى نقاط العالم وبقاعه، حتى كاد أن يَعمَّ المعمورة كلّها، ولهذا اضطروا إلى إعزاء انتشار الاسلام الى عامل استخدام القوة، وقالوا: ان الاسلام انتشر بالقوة، ليشوهوا بذلك ملامح الاسلام، ويخفوا الحقيقة خلف غطاء من الاراجيف، في حين أن هذا الميثاق الذي عقد في الجزيرة العربية أمام اعين المئات من المسلمين وغير المسلمين يعكس بجلاء روح الاسلام وحقيقة تعاليمه السامية، ومع هذا يكون من مجانبة الواقع القول بأن الاسلام انتشر بقوة السيف، لا بالدعوة الحرة، والتبليغ والارشاد.

هذا ولقد تحالفت قبيلة خزاعة- مع المسلمين في ضوء المادة الثالثة من الميثاق، بينما تحالفت قبيله بني كنانة- وكانوا أعداء تقليديّين لخزاعة مع قريش.

آخر الجهود للحفاظ على عملية الصلح
كانت مقدماتُ الميثاق المذكور، وبنودُه توحي بصورة جليّة وكاملة بأن أكثرها قد فرضت فرضاً على المسلمين، فلو أن رسول الاسلام صلّى اللّه عليه وآله قبل بامحاء كلمة "رسول اللّه" من اسمه، وبدأ الميثاق بعبارة "باسمك اللَّهم" على عادة الجاهليين بدل البسملة الكاملة فان غايته من ذلك كانت هي الحفاظ على الصلح، واقرار الأمن في الجزيرة العربية.

ولو ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله رضي بأن يسلّم المسلمين الهاربين من قبضة المشركين الى جماعة المسلمين، ويعيدهم الى القيادة الوثنية في مكة فان بعض ذلك كان بسبب تصلّب سهيل ممثل قريش وتعنته، ولو أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما كان يرضخ لهذا الشرط (استجابة لرغبة الرأي العام الاسلامي الذي كان مخالفاً لمثل هذا الشرط ومعارضاً لاعادة المسلمين الهاربين من مكة إلى قريش، وحفاظاً على حقوق اُولئك الأشخاص الهاربين) لتعطلت عملية السلام، ولما تحقق الصلح، ولفاتت المسلمين هذه النعمة الكبرى التي انطوت على آثار عظيمة في المستقبل كما أثبتت الوقائع في ما بعد.

من هنا قاوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كل الضغوط من جهة، وتحمل عملية فرض هذا الشرط من جهة اُخرى، ليصل الى المقصد الأعلى والهدف الاكبر الذي تتضاءل تجاهه هذه المتاعب.

لو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يراعي الرأي العام ويلاحظ حقوق هذه الجماعة، لكان "سهيل" يتسبب- بسبب تصلبه الارعن- في اشتعال نائرة الحرب.

والقصّة التالية تشهد بما تقول:حينما انتهت مفاوضات السلام، وبينما كان الامام علي عليه السَّلام يكتب وثيقة الموادعة والصلح دخل أبو جندل بن سهيل في مجلس النبي صلّى اللّه عليه وآله وهو يرسف في الحديد.فتعجب الجميع من حضوره هناك، اذ كان محبوساً في سجن أبيه سهيل (المفاوض) مدة طويلة.ولم يكن لابي جندل من ذنب إلا أنه اختار التوحيد عقيدة، والاسلام ديناً، ورفض الوثنية والشرك وكان يحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حباً شديداً فحبسه أبوه.

وكان أبو جندل قد بلغه أمرُ المفاوضات هذه، فهرب من محبسه وانفلت الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سالكاً إليه طرقاً وعرة في الشعاب، والوديان.فلما رأى "سهيل" ابنه أبا جندل وقد هرب من سجنه، ولجأ إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قام إليه فضرب وجهه، واخذ بتلابيبه ثم قال: يا محمَّد لقد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، وهذا يا محمَّد أول من أقاضيك عليه أن تردَه.

ولا شك أن كلام "سهيل" كان باطلاً، ولا مبرر لطلبه، لأن الميثاق لم تتم كتابته على الورق، ولم يوقع عليه الطرفان، ولم ينته- بالتالي- من مراحله النهائية والأخيرة بعد، فكيف يمكن الاستناد إليه، ولهذا أجابه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قائلاً:"إنا لمن نرضَ (نقض) بالكتاب بعد"22.

فقال سهيل: إذاً واللّه لا اُصالحك على شيء أبداً، حتى ترده اليّ، ولم يزل يصرّ على كلامه ورفضه هذا حتى انزعج اثنان ممّن رافقه من شخصيات قريش هما مكرز وحويطب من تصلب سهيل وتشدده.
ثم قاما وأخذا أبا جندل من أبيه وأدخلاه خيمة وقالا: نحن نجيره.
ولقد فعلا ذلك حتى يُنهيا ذلك التنازع، والجدال، ولكن إصرار سهيل على موقفه، أبطل تدبيرهما اذ قال: يا محمَّد لقد لجّت القضية بيني وبينك قبل ان يأتيك هذا23.

فاضطُرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى أن يقوم بآخر سعي في طريق الحفاظ على الهدنة والصلح الذي كان له أثر عظيم في انتشار الاسلام، ولهذا رضي بردّ أبي جندل إلى والده، لإعادته الى مكة، ثم قال لذلك المسلم الاسير تطييباً لخاطره:"يا أبا جَندَل، إصبر واحتسب، فان اللّه جاعل لك ولمن معك مِن المستضعفين فَرجاً ومَخرجاً، إنا قد عقدنا بَيننا وبينَ القوم صُلحاً، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهدَ اللّه، وإنا لا نغدِرُ بهم".

وانتهت جلسة المفاوضات، وتمَّ التوقيع على نسختي الميثاق، وعاد سهيلُ ورفاقه إلى مكة، ومعهم "أبو جندل" ابن سهيل في جوار مكرز وحويطب، ونحر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما كان معه من الهدي24 في نفس ذلك المكان وحلق فنحر جماعة من المسلمين وحلقوا25.

تقييم عاجل لصلح الحديبية

بعد أن فَرغَ رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله من عقد صلح الحديبية بينه وبين رؤوس الشرك، وبعد أن توقف في أرض الحديبية مدة 19 يوماً عاد هو وأصحابه الى المدينة، وعاد المشركون إلى مكة.

هذا وقد نشبت مشاجرات ومشادات كلامية حين تنظيم ذلك الميثاق وكتابته، بين أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله، فمنهم من كان يعتبر ذلك الصلح في صالح الاسلام، وقليل منهم كان يعدّه مضراً بمصلحة الاسلام والمسلمين.

ولقد انقضى الآن أكثر من أربعة عشر قرناً على عقد ذلك الصلح التاريخي العظيم فلندرس معاً المعاهدة بموضوعية وتجرد، ونستعرض طرفاً من تلك الاعتراضات والمجادلات لنقف على معطيات تلك العملية، ونتائجها.

ان الذي نراه هو: ان هذا الصلح كان في صالح الاسلام مائة بالمائة، وانه هو الذي جعل أمر انتصار الاسلام قطعيّاً، لا شك فيه، واليك أدلة هذا الرأي:

10- إن حملات قريش المتتابعة على المسلمين، والتحريكات الداخلية والخارجية التي أشرنا إليها في حوادث "اُحد" و"الاحزاب" على نحو الاختصاص، لم تترك للنبي صلّى اللّه عليه وآله فرصة لنشر الاسلام بين القبائل، وفي المناطق المختلفة خارج شبه الجزيرة العربية.

من هنا كان صلى اللّه عليه وآله يصرف اكثر اوقاته الثمينة في الدفاع والعمل على إفشال المؤامرات الخطرة التي كان العدوّ الداخلي والخارجيّ يحيكها باستمرار.

ولكن النبي صلّى اللّه عليه وآله فرغ باله بعد عقد صلح الحديبية مع قريش من ناحية الجنوب، فتهيأت الأرضية لانتشار الاسلام في المناطق الاخرى.

وقد ظهر أثر هذا الهدوء والاستقرار بعد سنتين من عقد تلك المعاهدة، فقد كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الحديبية ألف وأربعمائة ولكنه عند ما توجّه إلى مكة لفتحها بعد عامين خرج معه عشرة آلاف، وكان هذا التفاوت من نتائج صلح الحديبية مباشرة، لأن بعض الناس كانوا يخشون قريشاً فلا يلتحقون بالمسلمين لذلك السبب، ولكن بعد أن اعترفت قريش بالكيان الاسلاميّ بصورة رسمية، وأعطيت للقبائل الحرية الكاملة للانضمام إلى المسلمين زال الخوف المذكور عن كثير من القبائل، فاستطاع المسلمون أن يستغلوا تلك الفرصة ويقوموا بنشاط تبليغي ودعوة واسعة إلى الاسلام.

2- إن النتيجة الثانية التي حصّل عليها المسلمون من هذه المعاهدة هي زوال الستار الحديدي الذي كان قد ضربه المشركون بين الناس وبين الاسلام، فقد سمح ذلك الصلح بالسفر الى المدينة فكان الناس في سفرهم الى المدينة يحتكون بالمسلمين ويلتقون بهم، فيتعرفون على تعاليم الاسلام السامية.

ولقد أثار نَظمُ المسلمين، واخلاصُهم، و طاعة المؤمنين الكاملة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إعجاب المشركين كما أثارت نظافة المسلمين، في أوقات الصلاة خاصة، وصفوفهم المتلاحمة أثناء هذه العبادة المباركة وخطبُ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عليه وآله الرائعة، واللذيذة، وآيات القرآن الكريم البليغة، والسهلة في نفس الوقت رغبة قوية في نفوس الكفار إلى الاسلام.

هذا مضافاً إلى أن المسلمين استطاعوا بعد عقد ذلك الميثاق السفر إلى مكة وشتى نقاط الجزيرة بحجج مختلفة، والإتصال بذويهم وأقاربهم، والتحدث معهم في أمر الاسلام وتعاليمه المقدسة المحّببة، وقوانينه وآدابه الرائعة، وما جاء به من حلال و حرام.

وقد تسبّبت كل هذه الامور في أن يلتحق كثير من رؤوس الشرك والكفر كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص بالمسلمين، ويعتنقوا ذلك الدين قبل فتح مكة، وأن تساعد هذه المعرفة بحقائق الاسلام، والاطّلاع على مزاياه وفضائله على تسهيل عملية فتح مكة، وانهيار صرح الوثنية فيها من دون أيّة مقاومة من أهل مكة، بحيث سيطر المسلمون عليها بسهولة وأقبلت أفواج الناس تدخل في دين اللّه راغبة كما ستعرف تفاصيل ذلك في حوادث السنة الثامنة.

إن هذا الانتصار العظيم كان نتيجة الاتصالات التي اجراها المسلمون مع ذويهم وأصدقائهم في مكة خلال ترددّهم المتكرر بعد زوال الخوف والحصول على الحرية في الدعوة بفضل صلح الحديبية.

3- إن الاتصال برؤوس الشرك أثناء عقد اتفاقية السلام مع رسول اللّه صلّى الله عليه وآله في الحديبية، ساعد على ازالة كثير من العقد النفسية التي كانوا يعانون منها تجاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، لأن أخلاق النبي الرفيعة، وحلمه وصبره أمام تعنت قادة المشركين وتصلبهم وعتوهم، وسعيه الحثيث وحرصه الصادق على تحقيق السلام، أثبت لهم بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله معدنُ عظيمُ من معادن الخلق الانساني الكريم.

فبالرغم من أنه صلّى اللّه عليه وآله قد اُصيب على أيدي قريش بخسائر فادحة، وناله منهم أذى كثير، إلا أن فؤاده كان طافحاً بمشاعر اللطف، والحب والحنان على الناس.

لقد رأت قريش بام عينيها كيف أنه صلّى اللّه عليه وآله خالف في عقد ميثاق الصلح آراء جماعة من أصحابه، المعارضة لبعض بنود الاتفاقية رغبة منه في تحقيق السلام، وكيف آثر الحفاظ على حرمة المسجد الحرام على هواه، ورغبته الشخصية.

إن هذا النوع من السلوك أبطل مفعول جميع الدعايات السيئة التي كانت تُرَوّجُ ضد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ومواقفه وخُلقه وأفكاره، وأثبت للجميع أنه حقاً رجلُ سلام، وداعية خير للبشرية، وأنه حتى لو سيطر على مقاليد الجزيرة العربية، لما عامَل أعداءهُ الا بالحسنى واللطف، لأنه لم يكن مشكوكاً فيه بأنه لو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يخوض حرباً ضد قريش في ذلك اليوم لغلبها وهزمها شر هزيمة كما يصرح بذلك القرآن الكريم أيضاً اذ يقول:﴿ وَلَو قاتلكُم الَّذينَ كَفَرُوا لَولَّوُا الأَدبارَ ثُمَّ لا يَجدُون وَليّاً ولا نصير26.

ومع ذلك أبدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تسامحاً كبيراً، وأعلن عن عطفه، وحنانه للمجتمع العربيّ، وبذلك أبطل كل الدعايات التي كانت تُروّجُ ضدّه، وضدّ دعوته العظيمة المباركة.

من هنا نهتدي إلى مغزى ما قاله الامام الصادق جعفر بن محمَّد عليهما السَّلام عن أهمية هذا الصلح حيث قال:"وما كان قضية أعظم بركة منه".

إن الحوادث اللاحقة أثبت أن اعتراض عدد ضئيل من صحابة النبي صلّى اللّه عليه وآله وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب على هذا الصلح كان باطلاً ولا مبرر له.

وقد أدرج أرباب السير والتاريخ جميع هذه الاعتراضات، كما تنقل ردّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عليها، ويمكن للوقوف عليها مراجعة السيرة النبوية لابن هشام، وامتاع الاسماع وغيرهما ان قيمة هذه المعاهدة تتجلى من ان النبي صلّى اللّه عليه وآله لم يصل الى المدينة حتى نزلت سورة الفتح التي وعدَت المسلمين وبشّرتهم بالانتصار ويمكن اعتبار هذا العمل مقدمة لفتح مكة كما يقول تعالى: "إنا فتحنا لك فتحاً مبين"27.

قريش تصرُّ على إلغاء أحد بنود المعاهدة
لم يمض زمان طويل حتى أجبرت الحوادثُ المرّة قريشاً على أن تبعث إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من يطلب منه إلغاء المادة الثانية من معاهدة صلح الحديبية، وهي المادة التي أغضبت بعض صحابة النبي صلّى اللّه عليه وآله وأثارت سخطهم، وقبل بها رسول اللّه تحت إصرار من "سهيل" ممثل قريش في مفاوضات الحديبية.

تلك المادة التي تقول: على الحكومة الاسلامية أن تعيد كل مسلم هارب من مكة إلى حكومة مكة، ولكن لا يجب على قريش أن تعيد كلّ هارب من المسلمين إلى مكة، إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.

وقد أثارت هذه المادة- المجحفة في الظاهر- سخط البعض وإعتراضهم، ولكن النبي صلّى اللّه عليه وآله قال لابي جندل في وقته:"إنَّ اللّه جاعلُ لك وَلِمَن معَك مِنَ المستضعفين فَرجاً وَمخرجاً".

ثم إن مسلماً آخر يدعي "أبو بصير" كان قد حبسه المشركون ردحاً طويلاً من الزمن استطاع أن يفرّ من محبسه ويصل الى المدينة، وقد وصلها سعياً على قدميه، فكتب شخصيتان من شخصيات قريش هما: "أزهر" و "الأخنس" كتاباً إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يطلبان منه إعادة أبي بصير إلى قريش ويذكّرانه بالمعاهدة وأرسلاه مع رجل من بني عامر يرافقه غلامُه، فدفع رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله "أبا بصير" إلى الرجلين عملاً بالمعاهدة قائلاً:"يّا أبا بصير إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمتَ (أي مِن العهد) ولا يصلح لنا في ديننا الغدرُ وإن اللّه جاعلُ لكَ وَلِمَن معَكَ مِنَ المسلمين فَرَجاً وَمخرج"28.

فقال أبو بصير: يا رسول اللّه تردَّني إلى المشركين؟!

فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثانية:"إنطلق يا أبا بصير، فانَ اللّه سيَجعَل لَكَ مخرج".

ثم دفعه إلي العامريّ وصاحبه فخرج معهما باتجاه مكة.

فلما كانوا بذي الحليفة (وهي قرية تبعد عن المدينة بستة أميال يحج منها بعض أهل المدينة) صلى أبو بصير ركعتين صلاة المسافر ثم مالَ إلى أصل جدار فاتكأ عليه، ووضع زاده الذي كان يحمله وجعل يتغدّى وقال لصاحبيه في لهجة الصّديق: اُدنُوا فكُلا؟ فأكَلا معه ثم آنسَهُم ثم قالَ للعامري: ناولني سيفكَ انَظُر إليه إن شئت أصارمُ هو أم لا؟ فناولهُ العامري سيفهُ وكان أقرب إلى السيف مِن أبي بصير، فجَّردّ أبُو بصير السيفَ وقتلَ به العامريّ في اللحظة، فهربَ الغلامُ يعدُو نحوَ المدينة خوفاً، وسبق أبا بصير الى المدينة، وأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بما جرى لسيّده العامريّ، فبينا رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله جالس في أصحابه والغلام عنده يقصّ عليه ما جرى إذ طلع أبو بصير، فدخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في المسجد وقال: وَفَت ذِمّتُك، وأدّى اللّه عنكَ، وقد أسلَمتني بيد العدوّ، وقد امتنعتُ بديني من أن اُفتَن.

ثم إن أبا يصير بعد أن قال هذا الكلام خرج من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وغادرَ المدينة، ونزل ناحية على ساحل البحر، على طريق قافلة قريش إلى الشام، تسمى "العيص".

وعرف المسلمون الذين حُبسوا بمكة بهذا التطوّر، ففرّ منهم سبعون رجلاً، وانضمُّوا إلى أبي بصير وكانوا ممن نالهم على يد قريش أشدُّ العذاب والعنت، فلا حياة ولا حرية لهم.

من هنا قرّروا أن يتعرضوا لقافلة قريش التجارية ويغيروا عليها، أو يقتلوا كلّ من وقعت يَدهُم عليه من قريش.

وقد لعبت هذه الجماعة دورها بصورة رائعة جداً بحيث أقلقت بال قريش، وسلبت منها الرقاد إلى درجة أنهم كتبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يطلبون منه إلغاء هذه المادة (أي المادة الثانية)، بموافقة الطرفين وقد أعلنوا موافقتهم على إلغائها، واعادة أبي بصير وجماعته إلى المدينة والكف عن التعرض لتجارة قريش.

فوافق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على إلغاء تلك المادة، وطلب من المسلمين في منطقة "العيص" القدوم الى المدينة.

وبهذا توفّرت فرصة طيبةُ لجميع المسلمين، كما عرفت قريش أنها لا تستطيع سجن المؤمن، وحبسه في القيد، وان تقييده وحبسه أخطر بكثير من إطلاق سراحه، لأنّه سيفرُّ ذات يوم وهو يحملُ روح الانتقام على سجّانه.

النساءُ المسلمات لا يُسلَّمن إلى قريش:

بعد أنَ تم الاتفاق والتوقيع على معاهدة صلح الحديبية هاجرت "اُم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط" في تلك المدة، فخرج أخواها "عمارة" و"الوليد" ابنا عقبة حتى قدما على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يسألانه أن يردّ اختهما عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش في الحديبية، فلم يفعل ذلك رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقال لهما:"إن اللّه نَقضَ العهدَ في النساء"29.

وقد نزل قولهُ تعالى يوضح حكم هذا الامر:﴿ يا أَيّها الَّذينَ آمنُوا إذا جَاءكُم المؤمناتُ مُهاجرات فامتَحِنُوهُنَّ اللّه أعلَمُ بإيمانهنَّ فَإن عَلِمتُموهُنَّ مُؤمنات فَلا تَرجعُوهُنَّ إلى الكُفّار لاهُنَّ حِلُّ لَهُم وَلاهُم يَحلُّونَ لَهُنَّ وَ آتُوهُم ما أَنفَقُو30.

كانت هذه قصّةُ "الحديبية"، وقد استطاع رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله في ظلّ الهُدُوء والأمن اللذين تحققا بسبب معاهدة الحديبية أن يراسل قادة العالم وزعماءه، وأن يبلّغ نبأ دعوته إلى مسامع شعوبهم، وستقف على مفصل هذا القسم من تاريخ الاسلام المشرق في الفصل القادم.


1- مجمع البيان: ج 9 ص 126.
2- السيرة النبوية: ج 2 ص 309.
3- مجمع البيان: ج 2 ص 288.
4- روضة الكافي: ص 322.
5- السالفة: صفحة العنق، وكنى بهذه الجملة عن الموت لانّها لا تنفرد عمّا يليها الاّ بالموت.
6- بخار الانوار: ج 20 ص 329 وغيره. وقد أشار بهذا الكلام إلى واقعة الفيل.
7- تاريخ الطبري: ج 2 ص 270 - 272.
8- لقد جاء الحليس إلى النبي بعد عروة الثقفي حسب رواية الطبري في تاريخه: ج 2 ص 276.
9- المغازي: ج 2 ص 598، امتاع الاسماع: ج 1 ص 287.
10- تاريخ الطبري: ج 2 ص 278.
11- السيرة النبوية: ج 2 ص 315.
12- الفتح: 18.
13- ولقد كان لهذه البيعة في نفسها أثر سياسي مهم في نفس العدو، يقول الواقدي: فلما رأت عيون قريش سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتدّ رعبُهم وخوفهم وأسرعوا إلى القضية ( ج 2 ص 604). وراجع امتاع الاسماع: ج 1 ص 291 أيضاً.
14- أي افرغ لك مكة في العام القادم لتدخلها.
15- الارشاد: ص 60، اعلام الورى: 106، بحار الأنوار: ج 20 ص 368 وقد اخطأ الطبري في هذا المقام اذ قال في احدى رواياته لهذه الحادثة: قال لعلي عليه السَّلام: اُمحُ "رسولَ اللّه"، قال: لا واللّه لا أمحاك أبداً فأخذه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وليس يحسن يكتب فكتب مكان "رسول اللّه": محمَّد.
وهكذا نسب الكتابة إلى شخص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ونحن نعلم انه اُمي لا يحسن الكتابة، وقد حققنا هذه المسألة في المجلد الثالث من موسوعة مفاهيم القرآن 319 - 374.
16- الكامل في التاريخ: ج 2 ص 138، بحار الأنوار: ج 20ص 353.
17- الكامل في التاريخ: ج 3 ص 162، راجع المصدر لتقف على القصة بكاملها ولتقف على ما دار بين الامام وابن العاص.
18- السيرة الحلبية: ج 3 ص 21.
19- بحار الأنوار: ج 20 ص 352.
20- مجمع البيان: ج 9 ص 117 أو: "من قدم مكة من أصحاب محمَّد حاجّاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل اللّه فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازاً إلى مصر أو الشام فهو آمن على دمه وماله".
21- بحار الأنوار: ج 20 ص 352.
22- بحار الأنوار: ج 20 ص 334.
23- السيرة الحلبية: ج 3 ص 21 لجّت: وجبت وتمت.
24- أي الابل التي ساقها معه.
25- تاريخ الطبري: ج 2 ص 281، بحار الأنوار: ح 20 ص 353، السيرة النبوية: ج 2 ص 318. امتاع الاسماع: ج 1 ص 394و 395.
26- الفتح: 22.
27- بحار الأنوار: ج 20 ص 263 نقلاً عن اعلام الورى، وزاد المعاد في هدى خير العباد: ج 2 ص 126.
28- المغازي: ج 2 ص 625.
29- المغازي: ج 2 ص 631، السيرة النبوية: ج 2 ص 323.
30- الممتحنة: 10.