سيرة سيد المرسلين> ما قبل البعثة الشريفة

العَودة إلى أحضان العائلة

وفاة عبد المُطَّلب سفرةٌ إلى يثرب
سفرةٌ إلى الشام كفالة أبي طالب للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله
نظرةٌ إجماليّة إلى التوراة الحاضِرَة أكذُوبَةُ المُستشرقين

لقد خلقَت يدُ القدرة الالهية كل فرد من أفراد النوع الانساني لأمر معين، فهناك من خلق لاكتساب العلم والمعرفة، وهناك من خُلق للاختراع والاكتشاف، وثالثٌ خلق للسعي والعمل، وبعض للتدبير والسياسة وفريق للتدريس والتربية وهكذا.

وإن المربِّين المخلصين الذين يهمّهم تقدم الأفراد أو رقيّ مجتمعهم لا يعمدون إلى نصب أحد في عمل من الاعمال ولا يعهدون اليه مسؤولية من المسؤوليات إلا بعد اختبار سليقته ومواهبه، بغية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، اذ في غير هذه الحالة يتعرّض المجتمع لضررين كبيرين: احدهما: أن لا يوكل إلى الفرد ما يستطيع القيام به، والثاني: ان يبقى العمل الذي قام به ناقصاً، مبتوراً.

وقد قيل في المثل: لكل انسان موهبة، والسعيد هو من اكتشف تلكم المواهب، واصابها.

وقد ذكروا أن استاذاً كان ينصح تلميذاً له كسولاً، ويعدّد له مضارّ الكسل والتواني، ويصف له حال من ترك الاشتغال بالعلم، وضيّع ربيع حياته في البطالة والغفلة.

وبينما الاستاذ ينصح تلميذه - وهو يسمع مواعظ اُستاذه - رأى تلميذه يرسم بقطعة من الجص صورة على المنضدة، فادرك من فوره أن هذا الصبيّ لم يُخلق للدرس وتحصيل العلم، بل خلقته يد القدرة للرسم، فطلب منه أن يصطحب أباه الى المدرسة في اليوم القادم، ثم قال لوالد الصبيّ: إذا كان ولدك هذا كسولاً في التعلم والتحصيل، فانه يمتلك ذوقاً رفيعاً في الرسم، ورغبة كبيرة في التصوير.

وقبل الوالد نصيحة المعلّم هذه ولم يمض زمانٌ طويلٌ إلا وبرع الصبي وغدى قمة في هذا الفن، بعد أن تابع هوايته بشغف وأكثر من ممارستها.

إن فترة الطفولة والصبا في حياة الأشخاص خير فرصة لأولياء الأطفال بأن يختبروا مواهب أبنائهم، ويتعرفوا عليها من خلال تصرفاتهم، وأفكارهم وردودهم، لأن حركات الطفل وأقواله الجميلة والحلوة خير مرآة لما ينطوي عليه من مواهب وقابليات وصفات لو توفرت لها ظروف التربية الصحيحة لأمكن الاستفادة منها على أفضل صورة، وأحسن وجه.

إن مطالعة فاحصة لحياة النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وأقواله وأفعاله الى وقت البعثة المباركة تُوفقنا على صورة كاملة لشخصيته صلّى اللّه عليه وآله وتوضح لنا أهدافه العليا، على أن مطالعة صفحات الطفولة في حياته صلّى اللّه عليه وآله فقط لا تكشف لنا عن مستقبله المشرق، بل ان دراسة الصورة الاجمالية لحياته وتاريخه إلى يوم مبعثه الشريف، وإعلانه عن نبوَّته وقيادته للمجتمع، تخبرنا عن ذلك المستقبل العظيم، وبالتالي عن هذه الحقيقة وهي أن هذه الشخصية خُلِقت لأيّ عمل، وأن إدعاء الرسالة والقيادة له هل ينسجمُ مع سوابقه التاريخية أم لا ؟؟

هل تُؤيّد تفاصيلُ حياتِه خلال أربعين سنة قبل الرسالة، وهل تؤيّد أفعالهُ واقوالُه، وبالتالي: سلوكه مع الناس ومعاشرته الطويلة مع الآخرين رسالته أم لا ؟؟

من هنا نعمدُ الى عرض بعض الصفحات من حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في أيامها وسنواتها الاولى.

لقد حافظت مرضعةُ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عليه خمس سنوات، وقامت في هذه المدة برعاية شؤونه خير قيام، وبالغت في كفالته والعناية به، وفي خلال هذه المدة تعلّم النبي لغة العرب على احسن ما يكون، حتى انه صلّى اللّه عليه وآله كان يفتخر بذلك في ما بعد اذ كان يقول: "أنا أعربكُم (اي أفصحكم)... وارضعت في بني سعد"1.

ثم ان "حليمة" جاءت به إلى "مكة"، وبقي عند امّه الحنون ردحاً من الزمن، وفي كفالة جده العظيم: "عبد المطلب" ردحاً آخر منه، وكان هو السلوة الوحيدة لاقاربه والبقية الباقية من أبيه: "عبد اللّه"2.

سفرةٌ إلى يثرب:
منذ أن فقدت كنّة "عبد المطلب" وعروس ابنها: "آمنة" زوجها الشاب الكريم: "عبد اللّه" باتت تترقب الفرص لتذهب إلى "يثرب" وتزور قبر زوجها الحبيب الفقيد عن كثب، وتزور اقاربها في يثرب في نفس الوقت.

وذات مرة فكّرت بأن تلك الفرصة قد سنحت، وأن ولدها "محمّداً" قد كبُر، ويمكنه أن يشاركها في حزنها، فتهيأت هي واُمّ ايمن للسفر، واتجهت نحو يثرب برفقة "محمّد"، ولبثت هناك شهراً.

ولقد انطوت (وبالاحرى حملت) هذه السفرة على بعض الآلام الروحية لوليد قريش "محمّد" لأنه صلّى اللّه عليه وآله رأى فيها ولأوّل مرة البيت الذي توفي فيه والده العزيز ودفن3، وكانت والدته قد حدّثته بامور عن والده إلى ذلك الحين.

وكانت لا تزال سحابةُ الحزن تخيّم على روحه الشريفة إذ فوجئ بحادثة مقرحة اُخرى، وغشيه موج آخر من الحزن لأنه عند عودته من مكة فقد أمّه العزيزة في اثناء الطريق في منطقه تدعى ب"الابواء"4.

إن هذه الحادثة قد عزّزت مكانة الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وآله في عشيرته اكثر فأكثر، وجعلته يتمتع بمحبّة أزيد منهم، فهو الزهرة الوحيدة من تلك الجنينة المباركة، كما انه صار منذ ذلك الحين يتمتع بعناية أكبر من قبل جده "عبد المطلب" ولهذا كان يحبُّه اكثر من أبنائه، بل ويؤثره عليهم جميعاً.

ومن ذلك أنه كان يُمدُّ في فناء الكعبة المعظمة بساطٌ لزعيم قريش "عبد المطلب" فيجلس هو عليه ويتحلَّقُ حوله وجوهُ قريش وسادتها وأولادُه فإذا وقعت عيناه على بقية عبد اللّه "محمَّد" أمر بأن يُفرَّج له حتى يتقدم نحوه ثم يُجلِسُه الى جنبه على ذلك البساط المخصوص به5.

ان القرآن الكريم يُذكّر النبي صلّى اللّه عليه وآله بفترة يتمه ويقول: "ألم يجدك يتيماً فآوى".

إن الحكمة وراء يتم وليد قريش ليست واضحة لنا تمام الوضوح، ولكننا نعلم إجمالاً بأن سيل هذه الحوادث المؤلمة احياناً، والمزعجة احياناً اُخرى لم يك خالياً عن حكمة معقولة ومصلحة رشيدة، بيد أننا مع كل هذا يمكن لنا الحدس بأن اللّه تعالى أراد أن يذوق قائد العالم البشري ومعلمه، وإمام الانسانية وهاديها - وقبل ان يتسلم مهامه، ويزاول مسؤولياته العظمى ويبدأ قيادته - حُلو الحياة ومرّها، ويجرِّب سراء العيش وضرّاءه، حتى تتهيَّأ لديه تلك الروحُ الكبرى الصبورة الصامدة، ويدّخر من تلك الحوادث الصعبة تجارب ودروساً، ويعدّ نفسه لمواجهة مسلسل الشدائد والمصاعب، والمشاق والمتاعب التي كانت تنتظره في المستقبل.

وربما أراد اللّه تعالى أن لا تكون في عنق نبيِّه طاعة لأحد، ولهذا أنشأه حراً خلياً مِن كل قيدٍ، منذ الايام الاُولى من حياته، يصنع نفسه بنفسِه ويقيّض لها موجبات الرشد، واسباب الرقيّ ليتضح أن نبوغهُ ليس نبوغاً بشرياً عادياً ومألوفاً وانه لم يكن لوالديه أي دخل فيه وفي مصيره، وبالتالي فان عظمته الباهرة نابعةٌ من مصدر الوحي، وليست من العوامل العادية والاسباب المأنوسة المتعارفة.

وفاة عبد المُطَّلب:
لقد جرت عادة الحياة ان تتعرض للمرء باستمرار، وتستهدف سفينة حياته كالأمواج المتلاحقة مُوجِّهة ضرباتها القوية لروحه، ونفسه.

أجل هذه هي طبيعة الحياة وسنتها مع أفراد النوع الانساني من دون استثناء.

ولم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بمعزل عن هذه السنة المعروفة وهذه القاعدة الحياتية العامة.

فلم تكن أمواج الحزن تفارق قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لوفاة والديه بعد حتى فاجأته مصيبة كبرى.

إنه لم يكن يمضي من عمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله اكثر من ثمان سنوات إلا وفقد جدّه العظيم "عبد المطلب"، وقد اعتصرت وفاة "عبد المطلب" قلب رسول اللّه ألماً وحزناً، وكان لها وقعٌ شديدٌ على نفسه المباركة، حتى أنه بكى لفقده بكاء شديداً وظلّت دموعُه تجري من أجله إلى أن وري في لحده، ولم ينس ذكره ابداً !!6.

كفالة أبي طالب للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله:
سيكون لنا حديثٌ مفصَّل حول شخصيّة أبي طالب في فصل خاص7 وسنثبت هناك إيمانه برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالوثائق والأدلة القاطعة، ولكنَّ من المناسب الآن أن نستعرض بعض الحوادث المرتبطة بفترة كفالته للنبي صلّى اللّه عليه وآله.

لقد تكفَّل أبو طالب - ولأسباب خاصة - رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وتقبل تحمُّل هذه المسؤولية بفخر واعتزاز، ولأنّ أبا طالب - مضافاً الى العلل المشار إليها - كان أخاً لوالد النبي من اُمٍّ واحدة أيضاً8 كما أنّه كان معروفاً بجوده وكرمه، ومن هنا أوكلَ "عبد المطلب" أمر كفالة النبي صلّى اللّه عليه وآله حفيده، إليه، وسوف نقص عليك تدريجاً سطوراً ذهبية من تاريخه، تمثل شاهد صدق على خدماته القيمة، وأياديه الجليلة.

يقولون: إن النبي شارك وهو في العاشرة من عمره جنباً إلى جنب مع عمّه في حرب من الحروب9 وحيث أن هذه الحرب وقعت في الأشهر الحرُم لذلك سُمّيت بحرب "الفجار" وقد وردت تفاصيل حروب "الفجار" في التاريخ بشكل مسهب.

سفرةٌ إلى الشام:
لقد جرت العادة ان يسافر تجار قريش الى الشام كل سنة مرة واحدة.

فعزم "ابو طالب" على أن يشارك في رحلة قريش السنوية هذه ذات مرة، وعالج مشكلة ابن اخيه "محمّد" الذي ما كان يقدر على مفارقته بأنه قرر أن يتركه في مكة في حراسة جماعة من الرجال، ولكنه ساعة الرحيل واجه من ابن اخيه العزيز ما غيّر بسببه قراره المذكور فقد شاهد "محمّداً" وقد اغرورقت عيناه بالدموع لفراق كفيله الحميم "ابي طالب"، فاحدثت ملامح "محمّد" الكئيبة طوفاناً من المشاعر العاطفية في قلب "أبي طالب" بحيث اضطرته إلى أن يرضى بمشقة اصطحاب "محمّد" في تلك الرحلة10.

لقد كانت سفرة النبي صلّى اللّه عليه وآله هذه التي قام بها بصحبة عمّه وكافله "ابي طالب" في الثانية عشرة من عمره، من اجمل وأطرف أسفاره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأنه صلّى اللّه عليه وآله عبر فيها على: "مدين" و"وادي القرى" و"ديار ثمود" واطّلع على مشاهد الشام الطبيعية الجميلة.

ولم تكن قافلة قريش التجارية قد وصلت إلى مقصدها حتى حدثت في منطقة تدعى "بصرى" قضية غيرت برنامج "ابي طالب" وتسببت في عدوله عن المضي به في تلك الرحلة والقفول الى مكة.

واليك فيما يلي مجمل هذه القضية:

كان يسكن في "بصرى" من نواحي الشام راهبُ مسيحي يدعى "بحيرا" يتعبّد في صومعته، يحترمه النصارى في تلك الديار.

وكانت القوافل التجارية إذا مرت على صومعته توقفت عندها بعض الوقت وتبركت بالحضور عنده.

وقد اتفق أن التقى هذا الراهبُ قافلة قريش التي كان فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، فلفت نظره شخصيةُ "محمّد"، وراح يحدق في ملامحه، وكانت نظراته هذه تحمل سراً عميقاً ينطوي عليه قلبه منذ زمن بعيد وبعد دقائق من النظرات الفاحصة، والتحديق في وجه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله خرج عن صمته وانبرى سائلاً: اُنشدكم باللّه أيّكم وليّه ؟

فأشار جماعة منهم الى "أبي طالب" وقالوا: هذا وليّه.

فقال "أبو طالب": إنه ابن أخي، سلني عمّا بدا لك.

فقال "بحيرا": إنه كائن لابن أخيك هذا شأنٌ عظيمٌ، نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا، هذا سيّدُ العالمين، هذا رسولُ رب العالمين، يبعثه رحمة للعالمين. إحذر عليه اليهود لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليقصدنّ قتله11.

هذا وقد اتفق اكثر المؤرخين على أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لم يتعدّ تلك المنطقة، وليس من الواضح أن عمه "أبا طالب" بعثه الى مكة مع أحد، (ويُستبعد أن يكون عمُّه قد رضي بمفارقته منذ أن سمع تلك التحذيرات من الراهب بحيرا)، أم أنه اصطحبه بنفسه إلى مكة، وانثنى عن مواصلة سفره الى الشام12.

وربما قيل أنه تابع - بحذر شديد - سفرَه الى الشام مع ابن اخيه "محمّد".

أكذُوبَةُ المُستشرقين:
لقد آلينا على أنفسنا في هذا الكتاب ان نشير إلى أخطاء المستشرقين وغلطاتهم بل وربما أكاذيبهم، واتهاماتهم الباطلة، وشُبههِم الواهية ليتضح للقراء الكرام الى أيّ مدى يحاول هذا الفريق إرباك أذهان البُسطاء من الناس، وبلبلة عقولهم حول قضايا الإسلام !!

إن قضية اللقاء الذي تم - في بصرى - بين النبي صلّى اللّه عليه وآله والراهب "بحيرا" لم تكن سوى قضية بسيطة، وحادثة عابرة وقصيرة، إلا أنها وقعت في ما بعد ذريعة بأيدي هذه الزمرة (المستشرقين) فراحوا يصرّون أشدّ اصرار على أنّ ما أظهره رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله من تعاليم رفيعة سامية بعد 28 عاماً، واستطاع بها أن يُحيي بها تلك الاُمة الميّتة قد تلقاها من الراهب "بحيرا" في هذه السفرة. ويقولون: إن "محمّداً" بما تمتع به من قوة ذاكرة، وصفاء نفس ودقة فكر، وعظمة روح وهبته اياها يد القدر، أخذ من الراهب "بحيرا" في لقائه به، قصص الانبياء السالفين والاقوام البائدة مثل عاد وثمود، وكثيراً من تعاليمه الحيوية.

ولا ريب في أن هذا الكلام ليس سوى تصور خيالي لا يتلاءم ولا ينسجم مع حياته صلّى اللّه عليه وآله، بل وتكذبه الموازين العقلية، واليك بعض الشواهد على هذا:

1 - لقد كان "محمّد" صلّى اللّه عليه وآله باجماع المؤرخين اُميّاً، لم يتعلم القراءة والكتابة، وكان عند سفره الى الشام، ولقائه ب"بحيرا" لم يتجاوز ربيعه الثاني عشر بعد، فهل يصدّق العقل - والحال هذه - أن يستطيع صبيٌ لم يدرس ولم يتعلّم القراءة والكتابة ولم يتجاوز ربيعه الثاني عشر ان يستوعب تلك الحقائق من "التوراة" و"الإنجيل"، ثم يعرضها - في سن الاربعين - على الناس بعنوان الوحي الالهيّ والشريعة السماوية ؟!

إن مثل هذا الأمر خارج عن الموازين العادية، بل ربما يكون من الاُمور المستحيلة لو أخذنا بنظر الإعتبار حجم الإستعداد البشري.

2 - إن مدة هذا اللقاء كانت أقل بكثير من أن يستطيع محمّد صلّى اللّه عليه وآله في مثل تلك الفترة الزمنية القصيرة أن يستوعب "التوراة" و"الانجيل"، لأن هذه الرحلة كانت رحلة تجارية ولم يستغرق الذهاب والاياب والاقامة اكثر من أربعة أشهر، لأن قريشاً كانت تقوم في كل سنة برحلتين، في الصيف إلى "اليمن"، وفي الشتاء إلى "الشام"، ومع هذا لا يُظنّ أن تكون الرحلة برمتها قد استغرقت اكثر من اربعة أشهر، ولا يستطيع اكبر علماء العالم واذكاهم أن يستوعب في مثل هذه المدة القصيرة جداً محتويات ذينك الكتابين، فضلاً عن صبي لم يدرس، ولم يتعلم القراءة والكتابة من احد.

هذا مضافاً إلى أنه لم يكن يصاحب صلّى اللّه عليه وآله ذلك الراهب كل تلك الاشهر الاربعة بل ان اللقاء الذي وقع إتفاقاً في أحد منازل الطريق لم يستغرق سوى عدة ساعات لا اكثر.

3 - إن النّص التاريخي يشهد بأن "ابا طالب" كان ينوي اصطحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى الشام، ولم يكن مقصده الأصلي "بصرى" بل إن "بصرى" كان منزلاً في أثناء الطريق تستريح عنده القوافل التجارية أحياناً، ولفترة جداً قصيرة.

فكيف يمكن في مثل هذه الصورة ان يمكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في تلك المنطقة، ويشتغل بتحصيل علوم "التوراة" و"الانجيل" ومعارفهما ؟ سواء قلنا بأن "ابا طالب" أخذه معه الى الشام، أو عاد به من تلك المنطقة إلى مكة او أعاده بصحبة أحدٍ الى مكة ؟!

وعلى كل حال فان مقصد القافلة ومقصد "ابي طالب" لم يكن "بصرى" ليقال: ان القافلة اشتغلت فيها بتجارتها، بينما اغتنم "محمّد" الفرصة واشتغل بتحصيل معارف العهدين.

4 - إذا كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله قد تلقى اُموراً ومعارف من الراهب المذكور اذن لاشتهر ذلك بين قريش حتماً، ولتناقل الجميع خبر ذلك بعد العودة إلى مكة.

هذا مضافاً إلى أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله نفسه ما كان يستطيع أن يدعي أمام قومه في ما بعد بأنه اُميٌّ لم يدرس كتاباً، ولا تلمذ على أحد، في حين أن النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه وآله افتتح رسالته بهذا العنوان، ولم يقل أحدٌ، يا محمّد كيف تدعي بأنك لم تقرأ ولم تدرس عند احد وقد درست عند راهب "بصرى" وتلقيت منه هذه الحقائق الناصعة وانت في الثانية شعره من عمرك ؟

لقد وجّه مشركو مكة جميع انواع الإتهام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وبالغوا في البحث عن أيّة نقطة ضعف في قرآنه يمكن أن يتذرعوا بها لتفنيد دعوته، حتى أنهم عندما شاهدوا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ذات مرة عند "مروة" يجالس غلاماً نصرانياً استغلوا تلك الفرصة وقالوا: لقد أخذ "محمّد" كلامه من هذا الغلام، ويروي القرآن الكريم مزعمتهم هذه بقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾13.

ولكن القرآن الكريم لم يتعرض لذكر هذه الفرية قط كما أن قريشاً المجادلين المعاندين لم يتذرعوا بها أبداً، وهذا هو بعينه دليلٌ قاطعٌ وقويٌ على أن هذه الفرية من افتراءات المستشرقين في عصرنا هذا، ومن نسج خيالهم !!

5 - إن قصص الانبياء والرسل التي جاءت في القرآن الكريم على وجه التفصيل تتعارض وتتنافى مع ما جاء في التوراة والانجيل.

فقد ذُكِرت قصصُ الأنبياء واحوالهم في هذين الكتابين بصورة مشينة جداً، وطُرحت بشكل لا يتفق مع المعايير العلمية والعقلية مطلقاً، وان مقايسة عاجلة بين هذين الكتابين من جانب وبين القرآن الكريم من جانب آخر تثبت بأن قضايا القرآن الكريم ومعارفه لم تتخذ من ذينك الكتابين بحال، ولو أن النبي محمّداً صلّى اللّه عليه وآله قد اكتسب معارفه ومعلوماته حول الانبياء والرسل من العهدين لجاء كلامُه مزيجاً بالخرافات والأوهام14.

6 - إذا كان راهب "بُصرى" يمتلك كل هذه الكمية من المعلومات الدينية والعلميّة التي عرضها رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله، فلماذا لم يحظَ هو بأي شيء من الشهرة، ولماذا ترى لم يُربِّ غير "محمّد" في حين أن معبده كان مزار الناس ومقصد القوافل ؟!

7 - يعتبرُ الكتاب المسيحيّون "محمّداً" صلّى اللّه عليه وآله رجلاً أميناً صادقاً، والآيات القرآنية تصرح بأنه صلّى اللّه عليه وآله لم يكن على علم مسبق أصلاً بقصص الأنبياء والاُمم السابقين، وأن معلوماته في هذا الصعيد لم تحصل لديه إلا عن طريق الوحي.

فقد جاء في سورة "القصص" الآية (44) هكذا: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.

وجاء في سورة "هود" الآية (49) بعد نقل قصة نوح: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا...﴾.

إن هذه الآيات توضح أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لم يكن على علم أبداً بهذه الحوادث، والوقائع.

وهكذا جاء في الآية (44) من سورة "آل عمران": ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾.

إن هذه الآية وغيرها من الآيات العديدة تصرح بأن هذه الأخبار الغيبيّة وصلت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عن طريق الوحي فقط، وهو لم يكن على علم بها مطلقاً.

نظرةٌ إجماليّة إلى التوراة الحاضِرَة:
إنّ هذا الكتاب السماويّ تورّط في تناقضات عجيبة في بيان قصص الأنبياء والمرسلين لا يمكن نسبتها إلى الوحي مطلقاً، وها نحن نأتي هنا بنماذج في هذا المجال من التوراة ليتضح لنا أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لو كان قد أخذ قضايا القرآن الكريم من ذلك الراهب فلماذا لا يحتوي هذا الكتاب العظيم على تلك الأضاليل التي انطوى عليها "التوراة" و"الانجيل".

واليك بعض ما جاء حول الأنبياء والمرسلين في "التوراة" و"الانجيل" ونقارن ذلك بما جاء في القرآن الكريم ليتضح مدى الفرق بين الكتابين (العهدين، والقرآن).

1 - داود عليه السّلام:
جاء في التوراة: "إن داود رأى من على السطح امرأة تستحمّ، وكانت المرأة جميلة المنظر جداً، فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: إنها امرأة اُوريّا فأرسل داود رسلاً وأخذها فدخلت اليه، فاضطجع معها وهي مطهّرة من طمثها ثم رجعت الى بيتها، وحبلت المرأة، فأرسلت وأخبرت داود وقالت: إني حُبلى، فأرسل داود إلى يؤاب يقول: اجعلوا أوريّا في وجه الحرب الشديدة15، وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت... فلما سمعت امرأة أوريّا أنه قد مات اُوريّا رجلُها ندبت بعلها، ولمّا مضت المناحة أرسل داود وضمّها إلى بيته وصارت له إمرأة، وولدت له إبناً، وامّا الأمرُ الذي فعله داود فقبح في عينيّ الرب" !!16.

هكذا تصف التوراة النبيّ الكريم داود، وترميه بالزنا، واكراه امرأة محصنة على خيانة زوجها !!

بينما يصف القرآن الكريم النبيّ داود عليه السّلام بأفضل الاوصاف اذ يقول (في الآية 15 و16 من سورة النمل):

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.

2 - النبيّ سليمان عليه السّلام:
تقول "التوراة" عن النبيّ العظيم سليمان عليه السّلام:

1 - "وداود الملكُ ولد سليمان من التي لاُوريّا" !!17.
أي ان سليمان النبيّ الكريم - والعياذ باللّه - هو ابن زنا !!

2 - وأحبّ المَلِكُ سُليمان نساء غريبة... مِن الذين قال عنهُم الربُ لبنيّ اسرائيل: لا تدخلون إليهم، وهم لا يدخلونَ إليكم لأنّهُم يُميلون قلوبكم وراء آلهتهم، فالتصق سليمانُ بهؤلاء بالمحبّة، وكانت له سبع مئة من النساء السيدات، وثلاث مئة من السراري، فأمالت نساؤه قلبهُ وكان في زمان شيخوخة سليمان ان نساءه أملن قلبه وراء آلهة اُخرى، ولم يكن قلبُه كاملاً مع الرب الههِ كقلب داود ابيه، فذهب سليمان وراء عشتُورت إلاهة الصيد ونين، وملكوم رجس العمونيين، وعمل سليمان الشرّ في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه، فغضب الربُ على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل" !!!18.

إن سليمان - حسب هذه التعابير التوراتية - يعشق النساء الاجنبيات، ويتقرب اليهن بصنع أصنام لهُنّ. ويعبدها معهن، ويرتكب الشرور التي أغضبت الرب !! بينما يقول القرآن الكريم عن سليمان عليه السّلام ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمً﴾(النمل:15). ويقول: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾(الأنبياء: 81). إنه نبي عظيم اختاره اللّه تعالى لوحيه، واصطفاه لأداء رسالاته.

3 - يعقوب عليه السّلام:
إنّ "التوراة" تصف النبي العظيم يعقوب عليه السّلام بأنه رجل كذّاب مخادع، أخذ النبوة من أبيه بالمكر والخداع، "فعِندما شاخ اسحاقُ وكلّت عيناهُ عن النظر دعا عيسو إبنه الاكبر، وطلب منه أن يصطاد له صيداً، ويصنع له طعاماً جيداً حتى يباركه، ويعطيه النبوة، ولكن يعقوب (ابن إسحاق من رفقة زوجته الأخرى) بادر إلى صنع طعام لذيذ لأبيه وتظاهر بأنه عيسو، لابساً ثياب عيسو، وقطعاً من جلود جديي المعزى على عنقه لأن عيسو كان مشعراً وكان يعقوب املس الجلد، فبارك اسحاق ابنه يعقوب ومنحه النبوة، وبعد ذلك قدم عيسو من الصيد، فعرف اسحاقُ بانه خُدِع، وأن يعقوب أخذ منه النبوة بالمكر، فارتعد اسحاقٌ ارتعاداً عظيماً جداً وقال لعيسو متأسفاً: قد جاء أخوك بمكر، وأخذ بركتك" !!19.

هذا هو حال يعقوب في لسان "التوراة" المحرفة !!

وأما القرآنُ الكريم فانه يقول عن هذا النبيّ الطاهر: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾(الأنعام: 84).

ويقول تعالى أيضاً: ﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾(ص: 45 - 47).

4 - إبراهيم عليه السّلام:
تقول "التوراة" عن إبراهيم عليه السّلام إنّه لمّا أراد أن يدخل مصر قال لِزوجته سارة: إني قد علمتُ أنك إمرأة حسنة المنظر، فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون: هذه إمرأته، فيقتلونني، ويستبقونكِ، قولي إنك اُختي، ليكون لي خيرٌ بسببكِ وتحيا نفسي من أجلِكِ.

وكذلك فعلت سارة واُخذت إلى بيت فرعون، فصنع إلى إبرام خيراً بسببها، وصار له غنم، وبقر، وحمير، وعبيد، وإماء، واُتن، وجمال، ولما عرف فرعون - في ما بعد - ان سارة زوجة ابراهيم، وليس اُخته عاتبة قائلاً: لماذا لم تخبرني إنها إمرأتك، لماذا قلت: هي اُختي حتى أخذتها لي لتكون زوجتي والآن هو ذا إمرأتك، خذها واذهب"20.

إن ابراهيم الخليل عليه السّلام في وصف التوراة رجلٌ كذابٌ، يكذب ويحتال.

أما القرآن الكريم فيصف هذا النبي الجليل بأعظم الأوصاف، ويعتبره أعظم الأنبياء اذ يقول عنه انه:

1 - حنيف مُوحِّدٌ للّه: ﴿...وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا...﴾ (آل عمران: 67).
2 - إمامُ الناس: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامً﴾ (البقرة: 124).
3 - مُسلِمٌ: ﴿...وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا...﴾ (آل عمران: 67).
4 - حليمٌ: ﴿...إنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (التوبة:114).
5 - امة كامِلة بمفرده: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً...﴾ (النحل: 120).
6 - أواهٌ يخشى اللّه: ﴿...إنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ...﴾ (التوبة: 114).
7 - مصطفى: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾ (ص:47).
8 - ذو قلبٍ سليم: ﴿ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الصافات: 48).

5 - المسيح عليه السّلام:
إن عيسى - حسب رواية الإنجيل - يحتقر اُمه، ويزدري بها، فذات يوم جاء إخوته واُمه ووقفوا خارجاً وأرسلوا يدعونه، وكان الجمع جالساً حوله، فقالوا له "هو ذا امُّك وإخوتك خارجاً يطلبونك، فأجابهُم قائلاً: من اُميّ وإخوتي ؟ ثم نظرَ حوله إلى الجالِسين وقال: ها اُمّي وإخوتي، لأنّ من يصنع مشيئة اللّه هو أخي واُختي واُمّي" !!21

إنه يقول هذا الكلام عن اُمّه التي وصفها القرآن الكريم بأن اللّه تعالى اصطفاها على نساء العالمين22.

إنه يفضِّل تلاميذه الذين لم يؤمنوا به في قلوبهم ذرة من خردل، والذين خذلوه ليلة الهجوم عليه من جانب اليهود23 - كما يقول الانجيل - على اُمه الصدّيقة.

كما إن الانجيل يقول: إن المسيح حوّل الماء الى الخمر في عرس24 بل يقول إنه عليه السّلام: شرب الخمر25، والحال أن الإنجيل يصرّح بحرمة الخمر في مواضع عديدة.

هذا هو "عيسى" النبي الطاهر وحواريوه حسب رواية الانجيل !!26.

أما القرآن الكريم فيقول عنه غير ما يقوله "الانجيل" وإليك بعض ما جاء في الكتاب العزيز حول "المسيح" عليه السّلام.

قال اللّه تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة: 87).

وقال تعالى أيضاً: ﴿...إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ...﴾ (النساء: 171).

ويكفي في عظمة المسيح عليه السّلام وعلو شأنه انه عليه السّلام كلّم الناس في المهد صبياً وقال: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾(مريم:30-34).

هذه هي مواقف القرآن الكريم من الأنبياء الكرام، والرسل العظام، وتلك هي مواقف "التوراة" و"الانجيل" المشينة، المسيئة الى شخصيّة سفراء اللّه مبلّغي رسالاته، فكيف يُعقل ان يكون القرآن الكريم مقتبساً من تلك الكتب وبينهما بُعد المشرقين ؟!

ثم لو أنَّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان قد اطّلع على هذه القضايا والقصص قبل إخباره بنبوّته فلماذا لم يرشح منها شيء في أحاديثه قبل الرسالة وقد عاش بين قومه طويلاً.

قال اللّه سبحانه في معرض الردّ والجواب على اقتراح المشركين على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بأن يأتي لهم بقرآن غير الذي جاء به:

﴿ قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾27.

فالآية تؤكد على أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان لابثاً في قومه، ولم يكن تالياً لسورة من سور القرآن، أو آياً من آياته، فكل ما أخبر به هو ممّا أوحى به اللّه تعالى إليه بعد ان بعثه بالرسالة28.


1- السيرة الحلبية: ج 1 ص 89.
2- السيرة النبوية: ج 1 ص 167.
3- كان البيت الذي يضمّ قبر "عبد اللّه" عليه السّلام لا يزال موجوداً حتى قُبيل توسعة الدائرة حول المسجد النبوي الطاهر، ولكنه اُزيل بحجّة إيجاد تلك التوسعة.
4- السيرة الحلبية: ج 1 ص 105.
5- السيرة النبوية: ج 1 ص 168.
6- كتب اليعقوبي في تاريخه: ج 2 ص 10 و11 من تاريخه حول سيرة عبد المطلب، وأنه كان موحِّداً لا وثنياً، وذكر أن الإسلام أمضى الكثير من سننه.
7- في حوادث السنة العاشرة.
8- السيرة النبوية: ج 1 ص 179، وامهما هي فاطمة المخزومية.
9- لقد كتب اليعقوبي في تاريخه: ج 1 ص 15 طبعة النجف أنّ أبا طالب لم يشتركفي هذه الحرب قط، كما لم يسمح لبني هاشم بالمشاركة فيها أيضاً، لأنه كان ظلماً وعدواناً، وقطيعة رحم
واستحلالاً للشهر الحرام.
10- ويذكر "أبو طالب" في ابيات له قصّة هذه السفرة وما جرى فيها من البدء إلى الختام نقتطف منها بعض الأبيات:
إنّ ابن آمِنة النبي محمّداً***عِندي يفوقُ منازل الأولاد
لما تعلّق بالزمام رحمتُه***والعيسُ قد قلّصن بالازواد
فارفضّ من عينيّ دمعٌ ذارفٌ***مثل الجمان مُفرّق الأفراد
راعيتُ فيه قرابة موصولة***وحفظت فيه وصية الأجداد
وأمرتُه بالسير بين عمومة***بيض الوجوه مصالت أنجاد
حتى إذا ما القومُ بُصرى عاينوا***لاقوا على شرك من المرصاد
حبراً فاخبرهم حديثاً صادقاً***عنه وردّ معاشر الحُسّاد
(تاريخ ابن عساكر: ج 1 ص 269 - 272 وديوان ابي طالب: ص 33 - 35).
11- روى تاريخ الطبري: ج 2 ص 32 و33، والسيرة النبوية: ج 1 ص 180 - 183 هذه القصّة بتفصيل أكبر وقد اختصرناها هنا تمشياً مع حجم هذا الكتاب.
12- السيرة النبوية: ج 1 ص 182 و183.
13- النحل: 103.
14- تتجلى هذه الحقيقة أكثر فاكثر إذا ما قارنّا بين مواضيع القرآن الكريم، وبين ما جاء في نصوص العهدين (التوراة والإنجيل) وقد تصدى بعض الكتاب الإسلاميين لمثل هذه المقارنة، وقد
تعرضنا لها ايضاً في بعض دراساتنا.
15- أي في مقدمة الجيش المحارب.
16- العهد القديم (التوراة): صموئيل، الثاني الاصحاح الحادي عشر 3 إلى 27.
17- إنجيل متّى: الاصحاح الأول 6.
18- التوراة: الملوك الأول الاصحاح 11 العبارات 1: 11.
19- سفر التكوين: الاصحاح السابع والعشرون: 1 الى 46، وقد ذكرنا هذه القصّة من التوراة بتلخيص.
20- سفر التكوين: الاصحاح الثاني عشر 1 - 20.
21- إنجيل مرقس: الاصحاح الثالث 31 - 35.
22- آل عمران: 42.
23- انجيل متّى: الاصحاح السابع والعشرون 1 - 6 انظر كيف وافق يهوذا الاسخريوطي وهو أحد الحواريين مع المتآمرين ضدّ المسيح، وأيضاً راجع نفس السفر: الاصحاح السادس
والعشرين، وراجع انجيل متّى: الاصحاح العاشر ايضاً.
24- إنجيل يوحنا: الاصحاح الثاني 1 - 11.
25- إنجيل لوقا: الاصحاح الأول 15 وغيره.
26- على أنّ خرافات التوراة والانجيل لا تنحصر في ما ذكرناه هنا، وللتوسع راجع: أنيس الأعلام تأليف فخر الإسلام، والهدى الى دين المصطفى للعلامة البلاغي.
27- يونس: 16.
28- للتوسّع راجع مفاهيم القرآن: ج 3 ص 321 - 323.